الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
376
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ولكنه قد يتعثر في ذيول اغتراره ويرخي العنان لهواه وشهوته ، فترمي به في الضلالات ، أو يتغلب عليه دعاة الضلال بعامل التخويف أو الإطماع فيتابعهم طوعا أو كرها ، ثم لا يلبث أن يستحكم فيه ما تقلده فيعتاده وينسى الصواب والرشد . ويفسر هذا المعنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما من مولود إلا يولد على الفطرة ثم يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه » الحديث ؛ ذلك أن أبويه هما أول من يتولى تأديبه وتثقيفه وهما أكثر الناس ملازمة له في صباه ، فهما اللذان يلقيان في نفسه الأفكار الأولى ، فإذا سلم من تضليل أبويه فقد سار بفطرته شوطا ثم هو بعد ذلك عرضة لعديد من المؤثرات فيه ، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ ، واقتصر النبي صلى اللّه عليه وسلم على الأبوين لأنهما أقوى أسباب الزج في ضلالتهما ، وأشد إلحاحا على ولدهما . ولم يعرج المفسرون قديما وحديثا على تفسير التقويم بهذا المعنى العظيم فقصروا التقويم على حسن الصورة . وروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والكلبي وإبراهيم وأبي العالية ، أو على استقامة القامة . وروي عن ابن عباس ، أو على الشباب والجلادة ، وروي عن عكرمة وابن عباس . ولا يلائم مقصد السورة إلا أن يتأول بأن ذلك ذكر نعمة على الإنسان عكس الإنسان شكرها فكفر بالمنعم فرد أسفل سافلين ، سوى ما حكاه ابن عطية عن الثعلبي عن أبي بكر بن طاهر « 1 » أنه قال : « تقويم الإنسان عقله وإدراكه اللذان زيّناه بالتمييز » ولفظه عند القرطبي قريب من هذا مع زيادة يتناول مأكوله بيده وما حكاه الفخر عن الأصم « 2 » أن أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ أكمل عقل وفهم وأدب وعلم وبيان » . وتفيد الآية أن الإنسان مفطور على الخير وأن في جبلته جلب النفع والصلاح لنفسه وكراهة ما يظنّه باطلا أو هلاكا ، ومحبة الخير والحسن من الأفعال لذلك تراه يسر بالعدل والإنصاف ، وينصح بما يراه مجلبة لخير غيره ، ويغيث الملهوف ويعامل بالحسنى ، ويغار على المستضعفين ، ويشمئزّ من الظلم ما دام مجردا عن روم نفع يجلبه لنفسه أو إرضاء شهوة يريد قضاءها أو إشفاء غضب يجيش بصدره ، تلك العوارض التي تحول بينه وبين
--> ( 1 ) لم أقف على تعيينه وليس يبعد أن يكون هو الأصم . ( 2 ) الأصم لقب أبي بكر عبد الرحمن بن كيسان من أصحاب هشام الفوطي من المعتزلة . وقال ابن حجر في « لسان الميزان » : إنه كان من طبقة أبي الهذيل العلاف المعتزلي .